مفكر وسياسي وكاتب لبناني بارز وُلد عام 1917، دخل معترك الحياة السياسية في سن الـ25، وتمكّن من الفوز بمقعد في مجلس النواب اللبناني، عُرف بفكره الإصلاحي وجهوده في إرساء مبادئ العدالة الاجتماعية وتعزيز التنمية في لبنان بعد الاستقلال، وفي عام 1946 تولى في وقت واحد 3 حقائب وزارية هي: الاقتصاد الوطني، والزراعة، والشؤون الاجتماعية، لكن مسيرته انقطعت باغتياله في 16 مارس/آذار 1977 إثر عملية مسلحة وقعت في بلدة دير دوريت بوسط لبنان.
المولد والنشأة
وُلد كمال جنبلاط يوم 6 ديسمبر/كانون الأول 1917 في بلدة مختارة بجبل لبنان، وسط عائلة درزية عريقة ذات مكانة سياسية واجتماعية بارزة، فقد والده فؤاد جنبلاط إثر عملية اغتيال، فتولت والدته نظيرة جنبلاط رعايته وتعليمه، وكان لها أثر عميق في تكوين شخصيته ومساره.
نشأ في كنف عائلة صغيرة، كان له شقيقتان: ليلى التي رحلت مبكرا في سن الرابعة بسبب الحمى، وليندا التي تزوجت من حكمت جنبلاط قبل أن تُغتال في منزلها بالعاصمة اللبنانية بيروت يوم 27 مايو/أيار 1976.
عام 1948 تزوج كمال جنبلاط من مي أرسلان ابنة الأمير شكيب أرسلان، والتي عُرفت بثقافتها الواسعة، ورُزقا بعد عام بابنهما الوحيد وليد.
الدراسة والتكوين
تلقى تعليمه على يد المربية الخاصة ماري غريب، وهي خريجة مدرسة كاثوليكية من بلدة الدامور، ثم التحق بمدرسة عينطورة في كسروان، والتي درس فيها طلاب من مختلف المناطق والطوائف، وهناك لمع نبوغه فاشتهر بتفوقه الأكاديمي وحبه للمطالعة، ووفقا لشهادات زملائه وأساتذته فقد كان يواصل القراءة على ضوء الشموع بعد انطفاء المصابيح.
كانت عائلته ميسورة، وعُرف بسخائه وحسه الاجتماعي، إذ كان يخصص -سرا- جزءا من مصروفه لمساعدة زملائه الفقراء في تغطية نفقات دراستهم، وظنت والدته أنه كان ينفق المال على رفاهيته، لكنها سرعان ما اكتشفت مبادرته الإنسانية، فزاد اعتزازها به.
وإلى جانب دراسته اهتم منذ صغره بالقضايا القومية، ففي عام 1936 تقدم إلى إدارة المدرسة مطالبا باعتبار يوم استقلال مصر عطلة رسمية تكريما لأول دولة عربية تتحرر من الاستعمار البريطاني، وقوبل طلبه حينها بالموافقة.
تميز جنبلاط بقدرات لغوية لافتة، فقد أتقن اللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، كما كان ملما باللغات الهندية واللاتينية والإسبانية والإيطالية.
بعد إنهائه الدراسة الثانوية كان كمال جنبلاط ميالا إلى دراسة الهندسة لانسجامها مع اهتماماته العلمية، لكن والدته رغبت في أن يسلك طريق القانون، ليواصل نهج العائلة السياسي العريق المرتبط بزعامة الطائفة الدرزية.
استجاب لرغبتها فسافر إلى العاصمة الفرنسية باريس، حيث التحق بجامعة السوربون لدراسة الحقوق، وفي الوقت نفسه تابع مقررات في الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، مما أسهم في بلورة رؤيته الفكرية المتنوعة.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية اضطر للعودة إلى لبنان واستكمل دراسته في الجامعة اليسوعية ببيروت، انعكست ظروف الحرب على الحياة المعيشية في البلاد، إذ عانى اللبنانيون من نقص حاد في المواد الغذائية وارتفاع كبير في الأسعار، الأمر الذي دفعه إلى التحرك من أجل مواجهة هذا الوضع.
أسس كمال جنبلاط مع مجموعة من زملائه جمعية تعاونية استهلاكية عملت على استيراد القمح من منطقة حوران السورية وتوزيعه على القرى اللبنانية بسعر التكلفة، وهي مبادرة حظيت بترحيب واسع بين الأهالي.
التجربة السياسية
كان جنبلاط في الـ25 من عمره حين خاض انتخابات مجلس النواب اللبناني عام 1943 وفاز بمقعده البرلماني، معلنا دخوله الرسمي إلى الساحة السياسية.
وفي خطابه الأول تحت قبة البرلمان أكد دعمه المطلق لاستقلال لبنان كله، داعيا إلى وحدة الجهود بين الشعب والحكومة لتحقيقه.
وعقب استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي في العام نفسه بدأ جنبلاط يتابع أداء الحكومات الجديدة، مركزا على قضايا التنمية والإصلاح الاجتماعي، لكن ضعف الإدارة وغياب التوجهات الشعبية الداعمة للتغيير سرعان ما دفعاه إلى الانتقال من موقع الموالاة إلى صفوف المعارضة، متخذا مواقف ناقدة للسلطة.
وفي عام 1946 شارك كمال جنبلاط مع عدد من الشخصيات السياسية البارزة في توقيع عريضة وُجهت إلى رئيس الجمهورية بشارة الخوري دعت فيها إلى تشكيل حكومة من شخصيات مشهود لها بالنزاهة والكفاءة، لحماية استقلال البلاد الذي اعتبرته مهددا بالضياع.
ومع نهاية العام شُكّلت حكومة جديدة أسندت إليه فيها 3 حقائب وزارية دفعة واحدة: الاقتصاد الوطني والزراعة والشؤون الاجتماعية في أول تجربة وزارية له.

في الفترة التي تولى فيها تلك المناصب خاض معركة شرسة ضد الفساد الإداري، ووصل به الأمر إلى التنكر لزيارة المرافق الحكومية والجمارك بنفسه لكشف التجاوزات، لكن تجربته أظهرت له أن الفساد عميق ومتجذر، وأن معالجته تحتاج إلى إصلاحات جذرية لا تقتصر على ملاحقة فردية، مما دفعه إلى تقديم استقالته.
أحدثت تلك الاستقالة توترا حادا في علاقته بالرئيس بشارة الخوري، وبلغ الخلاف بينهما ذروته في مهرجان دير القمر التاريخي الذي مثّل محطة حاسمة أسهمت في نهاية عهد الخوري وسقوطه عام 1952.
الحزب التقدمي الاشتراكي
بين عامي 1947 و1949 عمل كمال جنبلاط مع نخبة من المفكرين والسياسيين اللبنانيين -من بينهم فؤاد رزق وعبد الله الحاج وسعيد فريحة وأنور الفطايري- على صياغة الأسس الفكرية والبرنامج السياسي لمشروع جديد تمخض عن تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي وضع جنبلاط بنفسه مبادئه ورؤيته.
وفي الأول من مايو/أيار 1949 أعلن رسميا عن تأسيس الحزب، وألقى جنبلاط خطابا أمام العمال والفلاحين وأصحاب الحرف قال فيه “في يوم العمال، بين الفلاحين والصناع وأرباب الحرف القابضين بأيديهم على القوى الكامنة في الشعب نعلن عن ولادة الحزب التقدمي الاشتراكي، نعم سيكون لنا أعداء، لكنهم أيضا أعداء التقدم والتطور والحياة الإنسانية الشريفة”.

لكن انطلاقة الحزب واجهت منذ بداياتها تحديات صعبة فرضها الواقع اللبناني القائم على التنوع الطائفي وضعف الانتماء الوطني والقومي، ولمواجهة ذلك بادر جنبلاط عام 1951 إلى تأسيس الجبهة الاشتراكية التي جمعت قوى اليسار والقوميين والتقدميين في إطار واحد.
ومع وصول الرئيس كميل شمعون إلى الحكم اتخذ جنبلاط موقع المعارضة، معتبرا سياساته رجعية ومعادية للعروبة، خصوصا مع سعي شمعون إلى ربط لبنان بالولايات المتحدة والغرب وحتى إسرائيل، في مواجهة مشروع القومية العربية بقيادة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
وتصاعد الخلاف إلى ذروته في “أزمة 1958” حين اندلعت مواجهة مسلحة محدودة بين أنصار شمعون ومعارضيه، وقف جنبلاط في صف التيار القومي، وكان له دور أساسي في تقويض سياسات شمعون والمساهمة في سقوطه، ليُنتخب فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية في العام نفسه.
الدور الإصلاحي
تولى كمال جنبلاط وزارة التربية الوطنية في عهد الرئيس فؤاد شهاب، وعمل في تلك الفترة على إنشاء مدارس ثانوية في المناطق المهمشة، من ضمنها منطقة البقاع والجنوب والشمال اللبناني.
ولاحقا، تولى وزارة الداخلية في عهد الرئيس شارل الحلو، وسعى إلى تعزيز علاقة لبنان بمنظمة التحرير الفلسطينية، وحماية اللاجئين الفلسطينيين من أي اعتداء.
وبرز موقفه الإنساني والسياسي اللافت بعد نكبة 1948، إذ وزع مساحات واسعة من أراضيه الخاصة -بما فيها منطقة تل الزعتر- على اللاجئين الفلسطينيين، كما حدد أهدافه الإصلاحية أثناء توليه الحقائب الوزارية في ما يلي:
- فصل القوى العسكرية عن الأجهزة الأمنية.
- ضمان حرية التظاهر وتشكيل الأحزاب.
- دعم المقاومة الفلسطينية بمختلف فصائلها.
- إطلاق سراح المعتقلين السياسيين.
- رفع الرقابة الأمنية ومنح حرية السفر.
ومع انتخاب سليمان فرنجية رئيسا للجمهورية عام 1971 أبدى جنبلاط في البداية دعمه للعهد الجديد، خصوصا فيما يتعلق بالحريات العامة والإصلاحات الاجتماعية، مثل تحسين الضمان الصحي وتخفيف الرقابة الأمنية.
لكنه اعترض بشدة على محاولات فرنجية إلغاء أو تفكيك المؤسسات التي أُنشئت في عهد فؤاد شهاب، والتي كان هدفها تحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد.
تفاقمت الخلافات بينهما بعد صدامات عام 1973 بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية إثر عملية اغتيال إسرائيلية على الشواطئ اللبنانية استهدفت قيادات بارزة، منها كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار.
رفض كمال جنبلاط حينها استخدام الجيش ضد المقاومة الفلسطينية، مؤكدا حقها في الوجود والعمل داخل لبنان.

ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 عقب حادثة عين الرمانة برز جنبلاط زعيما للحركة الوطنية اللبنانية، وطرح برنامجا سياسيا إصلاحيا، داعيا إلى وقف إطلاق النار.
المؤلفات
أصدر جنبلاط عددا من الكتب التي تناولت قضايا سياسية واجتماعية وإنسانية عدة، أبرزها:
- حقيقة الثورة اللبنانية.
- في مجرى السياسة اللبنانية عام 1958.
- لبنان وحرب التسوية.
- ثورة في عالم الإنسانية.
- أدب الحياة.
- هذه وصيتي.
- حقيقة الفكرة القومية السورية.
- ربع قرن من النضال.
- التوحيد في ضوء البحث والتنقيب.
- الإنسان والحضارة.
- رسالتي العدالة الإنسانية.

الاغتيال
صباح يوم 16 مارس/آذار 1977 تعرّض كمال جنبلاط لكمين مسلح في منطقة دير دوريت بجبل لبنان أثناء توجهه من بلدة بعقلين إلى كفرحيم.
حينها أُطلق عليه وابل من الرصاص أرداه قتيلا فورا عن عمر ناهز 59 عاما، كما قُتل سائقه وأحد مرافقيه، وشكّل اغتياله صدمة كبيرة على المستويات المحلية والعربية والدولية.
واعتُبرت عملية الاغتيال محطة مفصلية في مسار الحرب الأهلية اللبنانية وفي توازن القوى في البلاد، وفورا أعلنت القوات السورية والعربية العاملة ضمن قوات الردع العربي حالة استنفار تحسبا لأي تطورات أمنية.
وفي العاصمة المصرية القاهرة وصف رئيس منظمة التحرير الفلسطينية يومها ياسر عرفات اغتيال جنبلاط بـ”المأساة”، مشيدا بدوره السياسي والعسكري الكبير، قائلا إنه كان بمثابة “جيش يقاتل إلى جانب المقاومة”.
المصدر: الجزيرة + الصحافة البريطانية + الصحافة اللبنانية