في صباح صيفي بدا اعتياديا على شاطئ “أبو تلات” بالإسكندرية (شمالي مصر) تحوّلت رحلة طلابية إلى مأساة جماعية، بعدما جرفت تيارات بحرية العشرات من الطالبات بعيدا عن أعين المشرفين، تاركة 7 غرقى وعشرات المصابين.
واصطفت سيارات الإسعاف على الرمال، في حين وقف الأهالي مذهولين أمام بحر بدا هادئا للعيان لكنه أخفى في جوفه فخاخًا قاتلة مما أثار حالة من الحزن والصدمة عمت مواقع التواصل الاجتماعي والشارع المصري.
ولم تكن هذه الحادثة، التي وقعت مؤخرًا، استثناءً بل امتدادًا لسلسلة من المآسي التي تتكرر على الشواطئ المصرية كل صيف، من الإسكندرية وحتى مرسى مطروح والغردقة. وبينما تُرفع الرايات الحمراء يوميًا وتؤكد السلطات اتخاذ الإجراءات، يبقى السؤال المعلّق: لماذا تبتلع الشواطئ المصرية عشرات الأرواح كل عام؟
مآسٍ صيفية متكررة
بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، يموت أكثر من 236 ألف شخص سنويا حول العالم بسبب الغرق، معظمهم في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. وتشير تقارير المنظمة إلى أن إقليم شرق المتوسط وحده يسجل عشرات الآلاف من الحالات سنويًا، ويتركز الضحايا بين الشباب وصغار السن.
وفي مصر ورغم غياب إحصاءات محدثة وشاملة، تؤكد بيانات وتقارير محلية أن عدد الوفيات مواسم الصيف يتكرر بالعشرات على طول الساحل الشمالي، مما يجعل الغرق أحد أبرز أسباب الوفاة غير المتعمدة في هذه البلاد.
ويقف وراء الأرقام المتداولة حكايات إنسانية لا تُنسى. الحاجة فاطمة عبد الله والدة شاب لقي حتفه في شاطئ العجمي العام الماضي، تقول للجزيرة نت “ابني نزل البحر يوم جمعة، كان البحر هادئًا، ولم تمضِ دقائق حتى اختفى، لم أره إلا جثة على الشاطئ. نحن نذهب للبحر لنفرح، لكننا نعود منه محمّلين بالموت”.
أما محمد جلال شقيق طالبة غرقت في شاطئ أبو تلات هذا الصيف، فيروي “كنا معًا في المصيف، وفجأة سمعنا صراخًا ونداءات استغاثة. حاولنا إنقاذها لكن التيار سحبها بسرعة لا تُصدّق، وعندما وصل المنقذون كان الأوان قد فات. البحر هنا يخدع الناس، يبدو هادئًا لكن تحته موت محقق”.
“قصص كهذه، تتكرر على امتداد الساحل المصري في مثل هذا الوقت كل عام، وتجعل من كل حادثة غرق مأساة عامة تتجاوز حدود العائلة لتصبح جرحًا مجتمعيًا مفتوحًا يعيد نفسه كل صيف” هكذا يقول الدكتور هاني خطاب الخبير السياحي معرضا أسبابا عديدة لارتفاع عدد الغرقى كل عام خاصة من المصطافين: أهمها عدم الاستجابة لتعليمات السلامة في عدم نزول مياه البحر بالشواطئ التي ترفع الرايات الحمراء، وضعف إمكانات الإنقاذ رغم الاعلان الرسمي عن انتشار عدد كبير من الغواصين والمنقذين.
وترفع الشواطئ رايات مختلفة الألوان تعبر عن حالة البحر وقت رفعها، حيث تدل الراية الخضراء على أن حالة البحر آمنة وتسمح بالنزول للمياه، والصفراء تعني أن حالة البحر غير مستقرة نسبيًا وتسمح بالنزول ولكن مع أخذ الحذر والالتزام بالمساحة المحددة بينما الراية الحمراء تعنى ممنوع السباحة تماما.
ويرى الخبير السياحي أن الأرقام الرسمية لا تعكس الحجم الكامل للكارثة، لأن بعض الحوادث لا تُسجَّل في المستشفيات أو يجري التعامل معها بطرق لا تُدرج ضمن الإحصاءات، مضيفًا أن المؤشرات الواقعية تُظهر أن العدد الفعلي للضحايا أكبر مما يُعلن عنه.
وتتفق معظم الدراسات العلمية مع خبراء الجغرافيا البحرية على أن التغيرات المناخية -وطبيعة البحر المتوسط على السواحل المصرية- تُسهم في تكرار الكوارث خاصة محافظة الإسكندرية التي تتصدر المشهد سنويا وقد أطلق على أحد شواطئها لقب “شاطئ الموت”.
ويؤكد الدكتور رأفت حمزة أستاذ التربية الرياضية وخبير الإنقاذ بجامعة الإسكندرية -للجزيرة نت- أن حوادث الغرق ليست مجرد ظواهر عرضية، بل تتأثر بالبيئة والتغيرات المناخية، حيث ارتفعت درجة حرارة البحر بمقدار 2.5 درجة السنوات الأخيرة، مما يغيّر من طبيعة التيارات البحرية. وعند إنشاء أرصفة للموانئ أو حواجز أمواج بأحد الشواطئ، فإن أثرها ينعكس على شواطئ مجاورة، وقد يخلف مناطق خطرة غير متوقعة.
ويضيف الدكتور حمزة: أدوات الإنقاذ المتوفرة ما زالت بدائية، ولا توجد وحدات إسعاف قريبة من أغلب الشواطئ، إلى جانب مشكلات تخص المنقذين والمستأجرين على حد سواء بسبب ضعف الإمكانات.
ويؤكد ضرورة التعامل الحازم مع المخالفين بالقول: كثير من الزوار يصرّون على النزول إلى المياه رغم الرايات الحمراء والتحذيرات، الأمر يتطلب تدخلًا أكثر صرامة من أجهزة الداخلية، إلى جانب حملات تثقيفية عبر الإعلام لتعليم المواطنين كيفية التعامل مع مخاطر الغرق وطرق الوقاية.
وتشرح الدكتورة سمر الشناوي أستاذة الجغرافيا الطبيعية جامعة الإسكندرية -للجزيرة نت- بأن السواحل الغربية خصوصًا “تشهد تكوين دوامات ساحبة قوية نتيجة التقاء التيارات، وهي قادرة على سحب السابحين في ثوانٍ، وغالبًا تزداد شدتها بسبب حواجز الأمواج الخاطئة، ولا يعرف الضحايا كيفية الإفلات منها. والأخطر أن هذه الدوامات تتكوّن في أماكن يراها المصطافون آمنة تمامًا”.
وتضيف أن شواطئ مثل منطقة العجمي (غرب الإسكندرية) تشتهر بالخطورة المرتفعة، وقد أُغلقت مرارًا السنوات الأخيرة بسبب تكرار حوادث الغرق، وهو ما يؤكد أن الخطر ليس عارضًا بل هو مرتبط بالجيولوجيا البحرية نفسها.
ويروي المنقذ البحري حسام زغلول -الذي يعمل منذ 15 عامًا في شواطئ الساحل الشمالي- أن الخطر لا يأتي من البحر وحده و”نرفع الرايات الحمراء بشكل شبه يومي في الصيف، لكن كثيرين يدخلون المياه فجرًا قبل بدء دوام المنقذين، أو يغامرون بالنزول رغم التحذيرات، وهناك من يعتبر الرايات مجرد ديكور لا أكثر”.
وحول توافر إجراءات السلامة المتبعة في تقليل حالات الغرق على الشواطئ، يشير زغلول إلى أن المنقذ الواحد قد يكون مسؤولًا عن شاطئ طوله 300 متر يضم مئات السابحين، وهو ما يجعل السيطرة شبه مستحيلة في أوقات الذروة كما أن بعض الشواطئ الخاصة تقوم بالاستعانة ببعض غير المؤهلين أو من ليس لديهم الخبرة في القيام بمهام الإنقاذ، وكلها اسباب تساهم في ارتفاع أعداد حالات الغرق كل عام.
ومن جانبه يرى الدكتور سمير عبد الحميد أستاذ التربية الرياضية أن مشكلة الغرق في مصر ليست فقط في نقص المنقذين أو خطورة التيارات البحرية، بل في غياب الوعي بالسباحة كمهارة حياتية أساسية، مضيفًا “في دول كثيرة تُدرَّس السباحة للأطفال منذ المرحلة الابتدائية، بينما في مدارسنا قد يتخرج الطالب من الجامعة دون أن يعرف كيف يطفو على الماء. إن إدخال حصص سباحة منتظمة ضمن المناهج الدراسية، وتوفير مسابح مدرسية أو شراكات مع الأندية، يمكن أن يقلل بشكل كبير من معدلات الغرق، خاصة بين الشباب”.

مبادرة “مصر بلا غرقى”
تكشف إحصاءات محلية غير رسمية أن غالبية ضحايا الغرق في مصر ينتمون إلى الطبقات المتوسطة والشعبية، حيث يقصد المصطافون الشواطئ “المفتوحة” أو زهيدة الرسوم. وتوضح الدكتورة نجلاء عبد المنعم الباحثة في علم الاجتماع أن “الأسر البسيطة تبحث عن أماكن بلا تكلفة تقريبًا، لكنها لا تدرك أن هذه الشواطئ تفتقر إلى أبسط مقومات السلامة، سواء من حيث عدد المنقذين أو توافر المعدات” مضيفة أن النتيجة الحتمية أن الفئات الأضعف اقتصاديًا تتحمل الخسائر البشرية الأكبر.
وتشدد الباحثة على أهمية الالتزام بالمعايير الفنية للسلامة من خلال توفير عدد كافٍ من المنقذين المؤهلين، وتجهيزهم بأدوات حديثة، إلى جانب تخصيص سيارات إسعاف مجهزة بالقرب من الشواطئ لتقديم الإسعافات الأولية ونقل الحالات الخطرة فورًا إلى المستشفيات.
وفي المقابل، تؤكد الإدارة المركزية للسياحة والمصايف في الإسكندرية أنها تطبق نظام الرايات الدولية وتوزع المنقذين وتوفر أبراج مراقبة. إلا أن الحوادث، رغم هذه الإجراءات، لا تتوقف. ويشير خبراء إلى أن ما يُنفّذ على الأرض “غير كافٍ” داعين إلى بناء منظومة متكاملة تشمل إعداد خرائط موسمية للتيارات البحرية، ومضاعفة عدد المنقذين، وفرض غرامات رادعة على المخالفين.
ويقول سامح الشاذلي (رئيس الاتحاد المصري للغوص والإنقاذ) إن تكرار الحوادث دفع الاتحاد إلى إطلاق مبادرة “مصر بلا غرقى” التي تهدف إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي، وتدريب المنقذين العاملين في القرى السياحية والفنادق، وضمان تأهيلهم وتزويدهم بالمعدات الضرورية. كما يدعو إلى إدخال مادة السباحة ضمن المناهج الجامعية، واعتبار الإنقاذ تخصصًا أكاديميًا قائمًا بذاته.
ويضيف الشاذلي أن منظمة الصحة العالمية أوصت في تقاريرها الأخيرة بمجموعة من الحلول أثبتت فعاليتها في دول عدة، أبرزها تعليم الأطفال مهارات السباحة، وتركيب حواجز أو شبكات في الشواطئ الخطرة، وتعزيز الرقابة المجتمعية، إلى جانب حملات توعية موسمية. ويرى أن تطبيق هذه الإجراءات في مصر يمكن أن يقلل بشكل كبير من عدد الضحايا، خصوصًا أن معظم الغرقى من الشباب الذين يمثلون العمود الفقري لسوق العمل في البلاد.
ويرى أيضا أن حادثة شاطئ أبو تلات الأخيرة تجسد خطورة غياب الوعي، فبرغم رفع الراية الحمراء التي تحظر النزول إلى المياه، يصر بعض المصطافين على السباحة. وقد سحبت التيارات فتاة إلى الداخل، فاندفع زملاؤها لإنقاذها، لينتهي الأمر بمأساة جماعية أسفرت عن مصرع 7 طلاب وإصابة 28 آخرين.
ويؤكد الشاذلي أن أزمة السلامة البحرية لا تتعلق فقط بسلوكيات المصطافين، بل تمتد إلى ضعف التجهيزات، إذ لا تتوافر المعدات الحديثة إلا في القرى السياحية الراقية، بينما يضطر معظم المنقذين في الشواطئ العامة للاعتماد على جهودهم البدنية وحدها دون أدوات إنقاذ فعالة.
ويشدد على أن الحل الجذري يكمن في إنشاء هيئة عامة مستقلة للإنقاذ تتمتع بصلاحيات قانونية تسمح لها بالرقابة والتفتيش على القرى السياحية والمسابح، والتأكد من وجود منقذين مؤهلين ومعدات حديثة، موضحًا أن الأمم المتحدة خصصت تاريخ 25 يوليو/تموز يومًا عالميًا للوقاية من الغرق لكونه ثاني أكبر أسباب الوفاة غير المتعمدة بعد حوادث الطرق، لكن مصر -حتى الآن-تفتقر إلى مثل هذه الجهة المستقلة، مما يتيح للبعض تشغيل منقذين غير مدرَّبين.
ومن جانبه، أكد محافظ الإسكندرية اللواء أحمد خالد أن حالات الغرق هذا العام شهدت انخفاضًا بنسبة 70% مقارنة بالسنوات الماضية، مشيرًا إلى استمرار برامج تدريب وتأهيل المنقذين على شواطئ المدينة. كما أوضح أن المحافظة نفذت عدة مشروعات لحماية الشواطئ من آثار التغير المناخي، أبرزها إنشاء 9 حواجز بحرية للحد من ارتفاع الأمواج، لافتًا إلى حرص الأجهزة التنفيذية على متابعة الشواطئ وتوفير معايير الأمان اللازمة لمرتاديها، داعيًا المواطنين إلى الالتزام بتعليمات المنقذين وإشارات التحذير حفاظًا على الأرواح.